المقريزي

30

المقفى الكبير

وقفت به في الركب أبدي تجمّلا * فأبدى الهوى ما كان يخفي التجمّل فغنّيته إيّاه بعد أن استدعيت العود ، فما هو إلّا أن بدأت به حتى وضع كمّه على وجهه وانتحب انتحابا شديدا متداركا . فتوقّفت عن الغناء رحمة له فقال : غنّي ! - وأخذ في شأنه من البكاء . ثم قال : حسبك ! انصرفي ! فقبّلت يده وقمت . فأخذ الخدم بيدي إلى قاعة قد فرشت وأعدّ فيها سائر ما يحتاج إليه الناس من الآلات والمأكل وغير ذلك ، وجيء بابنتي وجواريّ إليّ ، ثمّ أغلق علينا الباب . فو اللّه ما خرجت رجلي منها إلى أن توفّي رحمه اللّه . وكان قد تنسّك وعمره أربعون عاما فكان يصوم ، وإذا أفطر نام ثمّ نهض وصلّى إلى الصبح . وكان يحمل كلّ سنة إلى بني حسن وحسين المال والبرّ والدقيق والدهن وغير ذلك ، فلا يزالون في الدعاء له والثناء عليه ، فمكّنوه لهذا من دفن أمّه بدار في جوار قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فلمّا حضرته الوفاة أوصى أن يدفن عند أمّه فحمل إلى المدينة النبويّة ودفن عندها . ومن شعره [ البسيط ] : من أخمل النفس أحياها وروّحها * ولم يبت طاويا منها على ضجر إنّ الرياح إذا اشتدّت عواصفها * فليس ترمي سوى العالي من الثمر « 1 » ورآه سيبويه الموسوس بعد موت كافور في موكب عظيم ، فقال : ما بال أبي الفضل قد جمع كتّابه ولفّق أصحابه وحشد بين يديه حجّابه [ 382 ب ] ، وشمّم أنفه « 2 » ، وساق العساكر خلفه ؟ أبلغه أنّ الإسلام طرق ، أو أنّ ركن الكعبة سرق ؟ فقال له رجل : هو اليوم صاحب الأمر ومدبّر الدولة . فقال : يا عجبا ! أليس بالأمس نهب الأتراك داره ، ودكدكوا آثاره ، وأظهروا عواره ، وهم اليوم يدعونه وزيرا ، ثمّ قد صيّروه أميرا ؟ ما عجبي منهم كيف نصبوه ، بل عجبي كيف تولّى أمر عدوّهم ورضوه . وكان قد زوّج ابنه أبا العبّاس « 3 » بابنة الوزير يعقوب بن كلّس ، فدخل أبو العبّاس علي ابن كلّس يوما ، فقال له : يا أبا العبّاس ، ما أنا بأجلّ من أبيك ولا بأفضل ! أتدري ما أقعد أباك خلف الناس « 4 » ؟ شيل أنفه ! باللّه ، يا أبا العبّاس ، لا تشل أنفك كأبيك « 5 » ! أتدري ما الإقبال ؟ نشاط وتواضع ؟ وتدري ما الإدبار ؟ كسل وترافع ! وكان أبو الفضل يهوى النظر إلى الحشرات والأفاعي والحيّات والعقارب وأمّ أربع وأربعين ونحو ذلك [ 300 ب ] ، وكان له في داره قاعة لطيفة فيها هذه المذكورات ، ولها قيّم وفرّاش وحاو يتعاهدها ،

--> وتراه يصغي للحديث بسمعه * وبقلبه ، ولعلّه أدرى به ( 1 ) أورد له ابن سعيد في المغرب - قسم مصر ، 252 - ثلاثة أبيات أخرى [ الكامل ] : من لي بصحبة من إذا أغضبته * وسخطت كان الحلم ردّ جوابه ! وإذا طربت إلى المدام سكرت من * أخلاقه وطربت من آدابه - ( 2 ) في المخطوط : وشمّر أنفه ، والإصلاح من معجم الأدباء 7 / 168 . ( 3 ) هذا الابن هو الفضل ( ياقوت ، أدباء 7 / 163 ) ، وله ابن آخر يلقّب بسيدوك . ومرّ بنا ابن ثالث اسمه أحمد . وخصّص المقريزي ترجمة وجيزة لابن آخر يدعى العبّاس وقال إنّه توفّي بمصر . ( المقفّى رقم 1430 ) . ( 4 ) في معجم الأدباء ، خلف الباب . ( 5 ) في النبلاء : بأبيك .